القاضي عبد الجبار الهمذاني
29
تثبيت دلائل النبوة
وليس في هؤلاء من أغضب الناس إغضاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا من ادعى دعواه ، ولا من أذكر عدوّه بعداوته وأيقظه وبعثه على قتله وخرج إليه بذات نفسه وما يريد ان يعمله ، مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فإنه أتاهم على الوجه الذي ذكرنا في الوحدة والفقر ورماهم بتلك العداوة ، ثم قال : ولا تقتلوني ، بل أنا أقتلكم وأسبيكم وأستبيح حصونكم ، فكان كما قال . فإن قيل : ومن سلم لكم أن المهاجرين والأنصار كانوا يعتقدون نبوته وصدقه ، سيما وفي أهل ملتكم اليوم من طوائف الشيعة من يقول : إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات والمهاجرين والأنصار ما آمنوا به قط ، ولا اعتقدوا صدقه ولا تعظيمه ولا إجلاله ولا توقيره ، وما كانوا إلا زائرين « 1 » عليه ، معتقدين تكذيبه وافتعاله واحتياله ، وانما كان اتباعهم له هزآ به ، واغتيالا له ، وسخرية منه ، وإرصادا لزلالته وإفساد امره ، ولإبطال تدبيره ، ولمغالبته على الرئاسة ، وأنهم ما أقاموا له وزنا قط . وانما كان الذين يعتقدون ما ادعيتم فيه نفرا يسيرا ، كانوا مغلوبين مقهورين بهذه الجماعات من المهاجرين والأنصار ، وأنهم خرجوا من / الدنيا على حال القهر والغلبة من هؤلاء المهاجرين والأنصار ، ومعهم بذلك روايات وأقوال ونصوص يدعون انها من صاحبكم ، وتصنيفات قد ملأت الدنيا . قيل له : إنا ما قلنا في أبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجلة والوجوه من المهاجرين والأنصار انهم قد اعتقدوا تبرئته وصدقه ، لمجامعة من ادعيت من الشيعة لنا ، وانما قلنا ذلك بالتأمل لأحوالهم وبالاستنباط الذي قد ذكرنا
--> ( 1 ) هذه الكلمة في الأصل تختلط مع زارين ، والزئير صوت الأسد من صدره ، والزائر اسم الفاعل . يعني القاضي هنا بيان شدة موقف الصحابة بزعم الباطنية من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .